كمال الدين دميري
443
حياة الحيوان الكبرى
فكتب إليه مالك بن أنس : بسم اللَّه الرحمن الرحيم من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد ، سلام عليك أما بعد فقد وصل إلي كتابك ، فوقع مني موقع النصيحة من المشفق ، أمتعك اللَّه بالتقوى ، وجزاك وخولك بالنصيحة خيرا ، وسأل اللَّه التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم . وأما ما ذكرت ، من أني آكل الرقاق وألبس الرقاق وأجلس على الوطاء ، فنحن نفعل ذلك ونستغفر اللَّه تعالى ، وقد قال سبحانه : * ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِه والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) * « 1 » وإني لا أعلم أن ترك ذلك ، خير من الدخول فيه ، فلا تدعنا من كتابك فإنا ليس ندعك من كتابنا والسلام . وفيه أيضا وروي أن الرشيد أعطاه ثلاثة آلاف دينار فأخذها ولم ينفقها ، فلما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق ، قال لمالك : ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ ، كما حمل عثمان رضي اللَّه عنه الناس على القرآن . فقال له : أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل ، فإن أصحاب محمد صلى اللَّه عليه وسلم افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم ، وقد قال صلى اللَّه عليه وسلم : « اختلاف أمتي رحمة » وأما الخروج معك فلا سبيل إليه ، قال صلى اللَّه عليه وسلم : « المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » . وقال « 2 » صلى اللَّه عليه وسلم : « المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد » . وهذه دنانيركم كما هي ، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها . يعني إنما تكلفني الخروج معك ، ومفارقة المدينة بما اصطنعته لدي . فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وهذا يدل على زهده في الدنيا رحمه اللَّه تعالى . وفيه أيضا أن الشافعي رحمه اللَّه ، قال : شهدت مالكا رحمه اللَّه وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة ؛ فقال في اثنتين وثلاثين منها : لا أدري وهذا يدل على أنه كان يريد بعلمه وجه اللَّه تعالى ، فإن من يريد غير وجه اللَّه بعلمه لا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري . ولذلك قال الشافعي : إذا ذكر العلماء فمالك البحر ، وما أحد أمن علي من مالك . وقيل : إن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره ، ثم دس عليه من سأله ؛ فروى عن ملأ من الناس : ليس على مكره طلاق . فضربه بالسياط . فانظر كيف اختار ضرب السياط ، ولم يترك رواية الحديث . وفي الحلية أن الشافعي رحمه اللَّه ، قال : قالت لي عمتي ، ونحن بمكة : رأيت في هذه الليلة عجبا ! فقلت لها : وما هو ؟ قالت : رأيت كأن قائلا يقول لي : مات الليلة أعلم أهل الأرض . قال الشافعي : فحسبنا ذلك فإذا هي ليلة مات مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لا أقدم على مالك أحدا . وكان مالك يقول : إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير ، لم يكن للناس فيه خير . وفي الحلية أيضا ، قال مالك : ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم انتهى . وكان مالك رحمه اللَّه إماما عالما عابدا زاهدا ورعا عارفا باللَّه تعالى ، وكان مبالغا في تعظيم علم الدين ، لا سيما حديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فإنه كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر
--> « 1 » سورة الأعراف : آية 32 . « 2 » رواه البخاري : المدينة 2 . ومسلم : حج 487 ، 488 .